الشيخ داود الأنطاكي
56
نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان
وما ذكره في الصمم وإمكانية شفائه ، اعتمادا على شدته ونوعه ، وذلك في السمع عن مسافة معينة ( نحو قصبة - 55 ، 3 م ) ، وهو ما يتماشى مع التفريق ما بين نقص السمع الخفيف والمتوسط ، أو الشديد ، وحتى التفريق ما بين نوعي الصمم ؛ النقلي أو الحسي العصبي . هذا فضلا عن مؤلفاته وتصانيفه العديدة في الطب وغيره ، ومعالجته لأمراض كثيرة بأدوية ابتكرها وسماها من مجرباته . أما رأيه في تعليم الطب ، فله فيه موعظة ذكرها في مقدمة تذكرته « 1 » مفادها ، الحيرة فيما بين ترك الطب محصورا ، كما كان في آل إسقليبيوس « 2 » ، أم حين اعتذر الفاضل أبقراط في إخراجه إلى الأغراب بخوف الانقراض ، وقد عوتب أبقراط في بذله الطب للأغراب فقال : " رأيت حاجة الناس إليه عامة ، والنظام متوقف عليه ، وخشيت انقراض آل إسقليبيوس ففعلت ما فعلت " . ويعقب الأنطاكي على ذلك بقوله : " ولعمري قد وقع لنا مثل هذا ، فإنني حين دخلت مصر ورأيت الفقيه الذي هو مرجع الأمور الدينية يمشي إلى أوضع يهودي للتطبب به ، فعزمت على أن أجعله كسائر العلوم يدرّس ليستفيد منه المسلمون ، فكان ذلك وبالي ونكد نفسي وعدم راحتي من سفهاء لازموني قليلا ، ثم تعاطوا التطبب فضرّوا الناس في أبدانهم وأموالهم ، وأنكروا الانتفاع بي ، وأفحشوا في أفاعيلي ، أسأل اللّه مقابلتهم عليها . على أني لا أقول بأني وأبقراط سالمان من اللوم حيث لم نتبصر ، فيجب على من أراد ذلك التبصر والاختبار والتجارب والامتحان ، فإذا خلص له شخص بعد ذلك لتخف الضرورة . "
--> ( 1 ) تذكرة داود ، 1 : 12 . ( 2 ) إسقليبيوس : وهو أول من ذكر من الأطباء ، وأول من تكلم في شيء من الطب على طريق التجربة ، يوناني ، تلميذ هرمس ( وهرمس اسمه عند العرب إدريس ) . ( عيون الأنباء ، 29 ) .